هلال شهر جمادى الأولى 1448هـ: رؤية الهلال في الشرق أفضل من الغرب!

ملخص التدوينة:

أولا: جملة "تتحسن رؤية الهلال كلما اتجهنا غربا" غير صحيحة، فرؤية الهلال هذا الشهر (جمادى الأولى) ممكنة من إندونيسيا في حين أنها غير ممكنة في نفس اليوم من المغرب حتى باستخدام التلسكوب!

ثانيا: عمر القمر ليس مقياسا دقيقا لمعرفة إمكانية رؤية الهلال، فعند غروب شمس يوم الأحد 11 أكتوبر سيكون عمر القمر في الرباط (عاصمة المغرب) أكثر من 26 ساعة، وعلى الرغم من ذلك فإن رؤية الهلال غير ممكنة حتى باستخدام التلسكوب، بل إن عمر القمر في أمستردام (عاصمة هولندا) أكثر من 25 ساعة وعلى الرغم من ذلك فإن رؤية الهلال مستحيلة بسبب غروب القمر قبل الشمس!

 

التفاصيل:

بدأت دول قليلة شهر ربيع الآخر يوم السبت 12 سبتمبر 2026م، وهذه الدول ستتحرى الهلال يوم السبت 10 أكتوبر كونه اليوم التاسع والعشرين من الشهر الهجري فيها، وفي ذلك اليوم تستحيل رؤية الهلال من جميع دول العالم تقريبا بسبب غروب القمر قبل الشمس وحدوث الاقتران بعد الغروب.

 

أما بالنسبة لغالبية دول العالم الإسلامي فقد بدأت شهر ربيع الآخر يوم الأحد 13 سبتمبر، وعليه فإن هذه الدول ستتحرى هلال شهر جمادى الأولى يوم الأحد 11 أكتوبر، وبإلقاء نظرة شاملة على إمكانية رؤية الهلال في ذلك اليوم، يلاحظ أن هناك ظاهرة قد تبدو غير مألوفة في ذلك اليوم، وهي أن رؤية الهلال ممكنة في أقصى شرق العالم الإسلامي في حين أنها غير ممكنة حتى باستخدام التلسكوب في أقصى غرب العالم الإسلامي!

ولنستعرض أولا إمكانية رؤية الهلال عند غروب شمس يوم الأحد 11 أكتوبر من عدة مدن عربية وعالمية، علما بأنه تم اعتماد الاقتران المركزي وليس السطحي وذلك لسهولة المقارنة، ولأن أهمية الاقتران السطحي تبرز عندما يكون عمر الهلال أقل من 15 ساعة تقريبا:

-         جاكرتا: يغيب القمر بعد 29 دقيقة من غروب الشمس، وعمره 18 ساعة و56 دقيقة، وبعده عن الشمس 9.7 درجة، وارتفاعه عن الأفق 6 درجات، والرؤية ممكنة باستخدام التلسكوب فقط وبصعوبة وفي حالة صفاء الغلاف الجوي التام.

-         أبوظبي: يغيب القمر بعد 16 دقيقة من غروب الشمس، وعمره 22 ساعة و13 دقيقة، وبعده عن الشمس 11.6 درجة، وارتفاعه عن الأفق 1.9 درجة، والرؤية غير ممكنة حتى باستخدام التلسكوب.

-         الرياض: يغيب القمر بعد 16 دقيقة من غروب الشمس، وعمره 22 ساعة و44 دقيقة، وبعده عن الشمس 11.8 درجة، وارتفاعه عن الأفق 1.7 درجة، والرؤية غير ممكنة حتى باستخدام التلسكوب.

-         عمّان: يغيب القمر بعد 11 دقيقة من غروب الشمس، وعمره 23 ساعة و25 دقيقة، وبعده عن الشمس 12.2 درجة، وارتفاعه عن الأفق 0.2 درجة، والرؤية غير ممكنة حتى باستخدام التلسكوب.

-         القاهرة يغيب القمر بعد 13 دقيقة من غروب الشمس، وعمره 23 ساعة و40 دقيقة، وبعده عن الشمس 12.3 درجة، وارتفاعه عن الأفق 1.5 درجة، والرؤية غير ممكنة حتى باستخدام التلسكوب.

-         الرباط: يغيب القمر بعد 12 دقيقة من غروب الشمس، وعمره 26 ساعة و09 دقائق، وبعده عن الشمس 13.5 درجة، وارتفاعه عن الأفق 1.4 درجة، والرؤية غير ممكنة حتى باستخدام التلسكوب.

-         أمستردام: يغيب القمر قبل 15 دقيقة من غروب الشمس، وعمره 25 ساعة و07 دقائق، وبعده عن الشمس 13.3 درجة، وارتفاعه عن الأفق ناقص 3.2 درجة، والرؤية مستحيلة بسبب غروب القمر قبل الشمس.

وتجدر الإشارة إلى أن رؤية الهلال يوم الأحد في جميع المناطق المذكورة ممكنة بسهولة باستخدام تقنية التصوير الفلكي، خاصة قبل غروب الشمس.

 

والمتفحص في الأرقام أعلاه سيدرك سريعا سبب عدم إمكانية رؤية الهلال يوم الأحد من المناطق الغربية، فالسبب بوضوح هو أن القمر منخفض وقريب جدا من الأفق وقت غروب الشمس، فهو ما بين نصف درجة  إلى درجتين في كل من الرباط والقاهرة وعمّان والرياض وأبوظبي! فوقوع أي جرم بالقرب من الأفق يؤدي إلى تشتيت أشعته بشكل كبير جدا من قبل غلافنا الجوي، فالشمس على عظمة ضيائها تبهت ويقل ضياؤها وقت الغروب، بل إنها تختفي أحيانا في حالة عدم صفاء الغلاف قبيل غروبها بقليل، فما بالنا بإضاءة الهلال النحيل جدا، فهو لن يقاوم أثر التشتت في الغلاف الجوي!

 

لكن ما الذي جعل ارتفاع القمر في المناطق الغربية أقل منه في المناطق الشرقية، فهذه الجزئية مخالفة لما قد يعتقده البعض للوهلة الأولى، فالأصل أن غروب الشمس في المناطق الغربية يحدث بعد الشرقية وبالتالي هذا يعطي فرصة للقمر لكي يبتعد أكثر عن الشمس وعن الأفق! ولكن هذا غير صحيح، فهو فعلا أعطى مجالا للقمر ليبتعد أكثر عن الشمس كما هو واضح من الأرقام السابقة، ولكن الارتفاع عن الأفق كان يقل كلما اتجهنا غربا، والسبب ببساطة هو اختلاف خط العرض، فصحيح أننا كنا نتجه غربا، ولكننا في نفس الوقت كنا نتجه أيضا إلى الشمال وبشكل كبير أيضا! فخط عرض جاكرتا هو 6 درجات جنوب خط الاستواء، في حين أن خط عرض الرباط هو 34 درجة شمالا، أما أمستردام فهي تقع على خط عرض 52 درجة شمالا! وهذه تغيرات كبيرة جدا على خط العرض لم تشفع للقمر ابتعاده الأكبر عن الشمس.

 

ولكن لماذا هذه المرة بالذات، لماذا لم يحدث ذلك لأشهر أخرى! وهنا بيت القصيد، فقد اجتمع في هذا الشهر عاملان معا، وهما لا يجتمعان دائما، فأما الأول فهو أننا في فصل الخريف، ففي المناطق الشمالية وفي فصل الخريف يكون مدار البروج (وهو بشكل تقريبي مسار القمر في السماء وهو يبتعد عن الشمس) وقت غروب الشمس في جهة الغرب (وهو وقت ومكان تحري الهلال) مائلا بشكل كبير نحو الأفق، ويزداد هذا الميلان أكثر كلما اتجهنا شمالا أكثر، ففي جاكرتا كان ميلان مدار البروج خفيفا وكان أقرب إلى الوضع العامودي، وبالتالي فإن ابتعاد القمر عن الشمس بمقدار 10 درجات عادله 6 درجات عن الأفق، أما في الرباط مثلا وبسبب الميلان الشديد لمدار البروج وقربه من الأفق فإن ابتعاد القمر عن الشمس بمقدار 13.5 درجة عادله 1.5 درجة فقط عن الأفق. وبالتالي وبشكل عام فإن رؤية الهلال في فصل الخريف أسوأ في المناطق الشمالية منه في المناطق الجنوبية.

إلا أن هناك عاملا آخر اجتمع مع العامل الأول وجعل الوضع أكثر شدة، وهو أن القمر وهو في طور الهلال يقع في هذه الفترة جنوب مدار البروج، وهذا جعل اقتراب القمر من الأفق أكثر كلما اتجهنا شمالا.

 

وبإجراء حساب بسيط، يتبين لنا أن الهلال أصبح جنوبيا منذ شهر سبتمبر 2026م وسيستمر كذلك حتى شهر فبراير 2027م، وسيصل ذروته في شهر نوفمبر 2026م، وهناك دائما 5 أو 6 أشهر متعاقبة يكون فيها الهلال جنوب المدار، ثم 5 أو 6 أخرى يكون شمالها، وتتكرر هذه الظاهر كل 347 يوما، بمعنى أنها تبكر 18.6 يوما كل سنة، فإذا ما تصادف وقوع القمر الجنوبي مع فصل الخريف ازداد تأثير الموقع الشمالي أكثر.

 

ومنذ العام 2024م وحتى العام 2035م سنبقى نشهد شهرا أو أكثر في فصل الخريف والقمر جنوبي، ثم سنشهد 6 سنوات (2036م وحتى 2041م) بدون هذه الظاهرة وفي تلك الفترة لن نشهد أشهر بغرابة شهر جمادى الأولى الحالي، لتتكرر الدورة بعدها من العام 2042م وحتى 2054م، وهكذا.  


وعليه فإن الوصف الدقيق هو القول بأن إمكانية رؤية الهلال تتحسن كلما اتجهنا غربا بثبوت خط العرض، أما بدون جملة "بثبوت خط العرض"، فإن الوصف قد لا يكون صحيحا في كثير من الأحيان. 

 

ومما سبق يتأكد لنا أيضا أن عمر القمر ليس مقياسا دقيقا لمعرفة إمكانية رؤية الهلال، فعند غروب شمس يوم الأحد 11 أكتوبر سيكون عمر القمر في الرباط أكثر من 26 ساعة، وعلى الرغم من ذلك فإن رؤية الهلال غير ممكنة حتى باستخدام التلسكوب، بل إن عمر القمر في أمستردام أكثر من 25 ساعة وعلى الرغم من ذلك فإن رؤية الهلال مستحيلة بسبب غروب القمر قبل الشمس! ولذلك نؤكد دائما أن إمكانية رؤية الهلال لا يمكن معرفتها بدقة إلا بالنظر إلى عوامل هندسة غاية في الأهمية وهي تحديدا بعد القمر عن الشمس (الاستطالة)، وبعد القمر عن الأفق.

 

الصور أدناه تشرح المفاهيم سالفة الذكر بشكل واضح، فهي تبين وضع القمر والشمس بالنسبة للأفق وقت غروب الشمس يوم الأحد 11 أكتوبر2026م في كل من جاكرتا والرباط وأمستردام، وتوضح الصور كلا من مدار البروج والاستطالة والبعد عن الأفق. 


والخارطة أدناه  تبين مدى إمكانية رؤية الهلال يوم الأحد 11 أكتوبر 2026م من مختلف دول العالم بحيث إن:

- رؤية الهلال مستحيلة من المناطق الواقعة في اللون الأحمر لغروب القمر قبل الشمس أو/و لحدوث الاقتران السطحي بعد غروب الشمس. 

- رؤية الهلال غير ممكنة بالتلسكوب أو بالعين المجردة من المناطق غير الملونة.

- رؤية الهلال ممكنة فقط باستخدام التلسكوب من المناطق الواقعة في اللون الأزرق. 

- رؤية الهلال ممكنة باستخدام التلسكوب من المناطق الواقعة في اللون الزهري، ومن الممكن رؤية الهلال بالعين المجردة في حالة صفاء الغلاف الجوي التام والرصد من قبل راصد متمرس. 

- رؤية الهلال ممكنة بالعين المجردة من المناطق الواقعة في اللون الأخضر.







تعليقات