أسرار اللحظات الأخيرة قبل إعلان دخول شهر رمضان الحالي

لا ريب أن بداية شهر رمضان المبارك الحالي يمكن اعتبارها بداية تاريخية، فهي أول مرة منذ عقود تبدأ جميع الدول العربية شهر رمضان في نفس اليوم، فقد عدت لأرشيف بدايات شهر رمضان منذ العام 1998م، ووجدت أن العالم العربي لم يبدأ شهر رمضان معا في أي من هذه الأعوام الخالية، وهذا لا يعني أنهم اتفقوا قبل ذلك، إنما لا يوجد عندي أرشيف يمكن أن اعتمد عليه، وإن كنت شبه متأكد أن هذه أول مرة تتفق فيها الدول العربية على بداية شهر رمضان ربما منذ ما يربو عن الخمسين عاما!

والسؤال المنطقي الذي قد يطرحه أي مهتم، هو هل هذه مجرد صدفة أم هناك سبب حقيقي للبداية الموحدة في العالم العربي!؟ ولمعرفة ذلك فلنتابع سوية مجريات الأحداث في الأيام الأخيرة قبل إعلان عدم ثبوت الرؤية يوم الإثنين. فقد ذكرنا في مدونة سابقة أن القمر يوم الإثنين غرب قبل الشمس في جميع أنحاء السعودية، باستثناء الجزء الجنوب الغربي، حيث غرب القمر بعد الشمس بدقيقة في مكة المكرمة (ولذلك جعل تقويم أم القرى السعودي بداية رمضان يوم الثلاثاء) وغاب القمر بعد الشمس بثلاث دقائق في جازان، وهذه قيم تجعلنا نقول أن القمر قد غرب مع الشمس في الجزء الجنوبي الغربي من السعودية يوم الإثنين، وبالتالي فإن رؤيته كانت مستحيلة قطعا وبلا شك في ذلك اليوم من جميع أنحاء السعودية بل وحتى من العالم العربي.  

 إلا أن هناك مجموعة من الشهود في منطقة معينة في السعودية قريبة من الرياض لطالما تقدموا بالشهادة برؤية الهلال والقمر ليس موجودا في السماء أصلا! وللأسف كانت تقبل شهادتهم، وتسبب شهادتهم هذه الانشقاق في عالمنا العربي لرفض دول أخرى بدء الشهر والقمر غير موجود في السماء. وهذه المجموعة تتكون من حوالي 4 أشخاص نعرفهم بالاسم ولديهم “قائد حسّاب” يقوم بإجراء الحسابات الفلكية لهم، فإذا ما أرادوا الشهادة برؤية الهلال أوعزوا له أن احسب لنا موقع القمر واجعله ظاهرا لنا في السماء بعد غروب الشمس، ضاربين بعرض الحائط أن هذه الحسابات الفلكية قطعية ولا تخضع لأهواء فئة معينة! ولو توقف الأمر عند هذا الحد لما انزعجنا! إنما المزعج حقا أن بعض العامة مما لا توجد عنده خلفية جيدة حول علم الفلك سيساوره الشك بما يقوله الفلكيون، معتبرا ذلك “الحسّاب” من الفلكيين، غير عارف أن ما يقوم به ذلك “الحسّاب” هو ضرب من التنجيم والجهل! فيشيع بين الناس أن الفلكيين مختلفون وبالتالي يكون هذا مسوغا لهؤلاء الشهود للتقدم للشهادة بجرأة، وستقبل شهادتهم لأن الناس شهدوا قبل ذلك بأيام ما يعتقدون أنه اختلاف بين الفلكيين، فأحدهم يقول أن القمر سيغيب بعد الشمس! فلم لا نقبل شهادة هؤلاء الشهود!

أردنا متابعة هذه المجموعة هذا العام، وكان تويتر وسيلة جيدة لمعرفة نواياهم، فكان التمهيد الأول يوم الأربعاء 26 يونيو (17 شعبان) وهو نقل المتابعين لأحد هؤلاء الشهود الأربعة على تويتر الرسالة التالية:

 

وفي اليوم التالي الخميس 18 شعبان ظهر القائد الحسّاب، وهذه رسالة من حسابه الشخصي على تويتر، يقول فيها ما يلي:



  ولم يكتف هذا الحسّاب بهذا القدر! بل قام يوم الثلاثاء 23 شعبان بإرسال رسمة للسماء كما سيبدو الوضع يوم الإثنين من وجهة نظره، وقد وضع الهلال عاليا فوق الأفق بعد غروب الشمس، وهذه هي رسالته

 

بعد ذلك تكلم أحد أصدقائي شخصيا مع أحدهم دون أن يعرف بنفسه، وأكد له ذلك المترائي أن الهلال سيرى يوم الإثنين. عندها تيقنا جميعا أن رمضان سيبدأ يوم الثلاثاء بلا أدنى شك، وكان أملنا الوحيد هو المحكمة العليا في السعودية، فراسلناها وأوضحنا لهم التفاصيل الدقيقة للمسألة، بل وحتى وضحنا نية هؤلاء الشهود بالشهادة كما صرحوا هم وليس كما نستنتج نحن!

بقي الوضع كذلك حتى صباح يوم الإثنين 29 شعبان، حيث أسعدني زميل لي يقطن في الرياض أن هناك عاصفة ترابية شديدة تغطي سماء المنطقة بالكامل، وأرسل لي الصورة التالية

 

عندها فقط بدأت أشعر بالأمل، ففي خطوة تحسب للمحكمة العليا طلبت من هؤلاء المترائين أن يقوموا بتحري الهلال ضمن اللجان الرسمية، ولا أعتقد أنه بإمكان أحد أن يشهد أو حتى يدعي رؤية الهلال والوضع على ما هو عليه في الصورة السابقة! فتابعت رسائلهم على تويتر، وبدا لي تحولهم السريع الذي بدأ ظهر يوم الإثنين، فبدؤوا عندها بالتمهيد بأن الرؤية غير ممكنة، وفي الحقيقة لم احتفظ بكل هذه الرسائل، بل احتفظت ببعضها فقط، ومنها هو التالي

 





وعند غروب الشمس، أرسلوا أن الشمس نفسها اختفت قبل الغروب بسبب الغبار، وبعد ذلك بقليل حان موعد غروب الشمس الفعلي وبدء الناس بانتظار الإعلان الرسمي للسعودية. وكم كان المشهد محزنا بعد ذلك فامتلأت الفضائيات بأن الرؤية لم تكن ممكنة من تلك المنطقة في السعودية (ولا أريد ذكرها، لأنني أحسب أن هدفهم الشهرة ولن أسعى لهم في ذلك) وامتلأت المنتديات وتويتر، وشاع بين الناس أن الرؤية ممتنعة بسبب الغبار! وكم هذا مؤسف! فالرؤية ممتنعة في الحقيقة لأن القمر غير موجود في السماء أصلا! فهو قد غرب قبل الشمس! فلو كان الجو صافيا جدا ونزل تلسكوب هابل الفضائي على الأرض لما تمكن من رؤية ذلك الهلال! هذا من جهة، ومن جهة أخرى إن اختزال العالم الإسلامي في بقعة صغيرة جدا وانتظار نتيجة رصدها يعبر عن المستوى المأساوي الذي وصلنا له!

 وليتها انتهت القصة عند ذلك، فلم يتكمنوا من رؤية الهلال بعد غروب شمس يوم الثلاثاء أيضا بسبب الغبار، ولم يروه إلا بعد غروب شمس يوم الأربعاء الأول من رمضان! وبالطبع بدا الهلال كبيرا وهذا شيء طبيعي جدا، وسنفصل فيه لاحقا. وعندها أكدوا أنه لولا الغبار لرؤوا الهلال يوم الإثنين، وبلغني من مصدر موثوق أنهم قالوا أن على الناس الاحتياط في العشر الأواخر لأن بداية الشهر ليست دقيقة!

إن هذه حقا قمة المأساة وغاية الاستخفاف بالعلم والعقل! فقد نسوا أو تناسوا أن هناك آلاف غيرهم كانوا يتحرون الهلال في العالم الإسلامي في ذلك اليوم، فلو كان الهلال يرى في ذلك اليوم لرآه غيرهم ممن لم يغم عليهم بالعواصف الترابية! أم حسبوا أن الهلال لا يظهر إلا عندهم، أم أن الهلال لا يراه غيرهم! بل حتى إن العاصفة الترابية لم تغطي السعودية بأسرها، فكان الجو صافيا ومقبولا في كثير من أجزائها، وفي السعودية علماء فلك ومتخصصون قمة في العلم والأخلاق، وكانوا يتحرون الهلال من مناطق مختلفة، منهم من كان في الشمال ومنهم من كان في الشرق ومنهم من كان في أعلى قمم جبال المملكة في الطائف، وهؤلاء كلهم لم يغم عليهم بالغبار ولم يروا الهلال حتى بتلسكوباتهم! وماذا عن دولة جنوب أفريقيا، والتي دائما يتحرى فيها المسلمون هلال رمضان بالآلاف، فهم حاولوا رؤيته بالعين المجردة وبالتلسكوب وقد كان يمكث القمر لمدة 26 دقيقة بعد غروب الشمس ولم يتمكنوا من رؤيته على الرغم من صفاء الجو، وهذا ما كانت تبينه الحسابات الفلكية مسبقا، فقيمة 26 دقيقة قد لا تكون كافية أحيانا حتى يرى الهلال. وماذا عن أكثر من 260 لجنة رسمية منتشرة في مختلف مناطق المملكة الغربية، والذين أكدوا جميعهم عدم رؤية الهلال على الرغم من صفاء الغلاف الجوي، علما بأن القمر كان يمكث في مدينة العيون في المغرب 4 دقائق بعد غروب الشمس، وبالطبع لا تمكن رؤية هلال بهذه القيم!

 حزنوا وبثوا بين الناس أن الغبار حجب عنهم الهلال، واحتسبوا الأجر والمشقة على الله! وأحسب والله أعلم أن الأجر الحقيقي يكون بقعودهم وعدم تحريهم للهلال، الذي شهدوا برؤيته سنوات عديدة وهو غير موجود، وأدت شهادتهم هذه لفرقة بين المسلمين، ولألصاق تهمة الجهل بالمسلمين! بل وحتى يفخر أشهرهم أن أول هلال شهد برؤيته كان عام 1404 هـ وأدت شهادته تلك أن يكون عدد أيام شهر رمضان 28 يوما فقط! في الحقيقة إن هذا شيء مخجل وليس مدعاة للفخر، وما نقوله هذا ليس اتهام بل هو ما يصرح به علانية في وسائل الإعلام، وها هو العم “جوجل” موجود لمن أراد البحث.

 إنني أنصح بشدة كل مهتم أن يقرأ ما كتبه أحد أستاذة الجامعة في السعودية حول هؤلاء الشهود في هذه التدوينة.

 وحتى لا يظن أحد أننا نفتري على أحد أو أننا نقول افتراضات أو استنتاجات، فعند بداية شهر شوال لعام 1432 هـ وتحديدا يوم 29 رمضان 1432 هـ الموافق 29 أغسطس 2011م شهد أحدهم برؤية هلال شهر شوال في ذلك اليوم وقال أنه بقي يشاهد الهلال بالعين المجردة لمدة أربع دقائق بعد غروب الشمس، علما بأن القمر كان قد غاب من منطقته بعد 26 ثانية فقط من غروب الشمس! فيا ترى كيف شاهد الهلال لمدة أربع دقائق بعد الغروب! ويمكن الاستماع لشهادته في المقطع التالي وتحديدا عند الدقيقة 12 و 30 ثانية. وللأسف قبلت شهادته وعيّد الناس في اليوم التالي بناء على ذلك!



 أما قصة الهلال الكبير بعد غروب شمس يوم الأربعاء، فهذا هو الطبيعي، بل الغريب والشاذ والخطأ أن يكون الهلال صغيرا في ذلك اليوم، ولمن أراد معرفة السبب بالتفصيل فيمكنه الرجوع للبحث المعنون “الهلال بين الحسابات الفلكية والرؤية” الموجود في هذه الصفحة.

 كان أملنا الأول أن لا يتقدم هؤلاء الشهود بالشهادة برؤية الهلال، وكان أملنا الثاني أنهم إذا تقدموا بالشهادة فإن المحكمة العليا لن تقبل شهادتهم، لأنهم سيشهدون برؤية الهلال والقمر غير موجود في السماء، إلا أن إرادة الله شاءت أن يخيم الغبار الكثيف فوق منطقتهم فقط، فما استطاعوا الشهادة، وحيث أنه لا يوجد غيرهم من يتقدم برؤية الهلال والقمر غير موجود فلم يتقدم أحد بالشهادة، فعليه أعلنت السعودية تتمة شعبان، وتبعها كثير من الدول العربية والإسلامية في ذلك.

أرجو أن لا تجتزأ عبارات من هذه التدوينة لتحرف عن معناها الحقيقي، وأرجو أن لا يفهمها أحد خطأ أننا ضد التحري أو مع إلغاء الرؤية! فنحن مع الرؤية، ولكننا مع الرؤية الصحيحة المنفكة عما يكذبها يقينا! وأرجو أن لا يؤولها البعض أنها هجوم على أحد. فتجدر الإشارة إلى أن المسؤولين في السعودية بذلوا جهودا لا بأس بها في الآونة الأخيرة لتلافي مثل هذه الأخطاء، وهم مشكورون على ذلك، إلا أننا ما زلنا بحاجة إلى مزيد من الإجراءات للتثبت الدقيق من شهادة بعض الشهود الذين يشهدون برؤية المستحيل. والله من وراء القصد. 

تعليقات