تركيا تسعى لتوحيد المسلمين في بدايات الأشهر الهجرية

 

بدأت القصة بتلقي دعوة من قبل رئاسة الشؤون الدينية التركية لحضور اجتماع تحضيري لمؤتمر الأهلة الدولي في مدينة إسطنبول، يومي الثلاثاء والأربعاء 18-19 شباط/فبراير 2013م. في الحقيقة لم أكد متأكدا من هدف الاجتماع بالضبط، فاستفسرت من المنظمين، وكان الجواب أن الهدف الرئيس هو توحيد المسلمين في أوروبا، وإن استطاع المؤتمر توحيد المسلمين بشكل عام فذلك أفضل. وقد تشرفت بتلقي طلب من رابطة العالم الإسلامي لتمثيلها في المؤتمر، وقد سعدت بالتعاون مع المنظمين في تقديم بعض المقترحات مثل دعوة بعض الخبراء لحضور الاجتماع التحضيري.


برنامج المؤتمر

جاء يوم الافتتاح وافتتح المؤتمر فضيلة الأستاذ الدكتور محمد كورماز رئيس الشؤون الدينية التركية، وألقيت في الافتتاح كلمات عديدة تمثل بعض الجهات المشاركة، منها وزير الأوقاف الأندونيسي وممثل المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) ورئيس رابطة الأئمة في هولندا وممثل منظمة التعاون الإسلامي، إضافة إلى عدد من الممثلين الآخرين ومن ضمنهم مشاركين أتراك يمثلون هيئات شرعية مرموقة في تركيا.

فضيلة الأستاذ الدكتور محمد كورماز رئيس الشؤون الدينية التركية

بدا لي من خلال كلمات الافتتاح أن تركيز جميع المشاركين كان على توحيد المسلمين بشكل عام وليس فقط أوروبا، ولذلك قمت خلال الاستراحة التي تفصل بين الافتتاح وبين كلمتي بتغيير بعض الشرائح في عرضي حتى ألقي الضوء أكثر على واقع العالم الإسلامي الآن وما هو المقترح الذي قد يصلح للعالم الإسلامي بأسره بدلا من التركيز على أوروبا فقط. وقد كانت طبيعة العرض تحتم عليّ انتقاد النهج المعتمد في بعض الدول الإسلامية ليس بدافع الإساءة أوالتجريح، وإنما لتجسيد الواقع ومعرفة مكامن الضعف والأسباب الحقيقية للمشكلة الحالية في العالم الإسلامي. 

وفي ختام اليوم الأول وقبل انتهاء أخر جلساته بقليل التفت يمينا ورأيت رئيس الشؤون الدينية التركية ما زال حاضرا وبكل نشاط وانتباه! وهذا بصراحة شيء لم أعهده! فقد اعتدت من خلال تنظيم أو المشاركة في المؤتمرات بأن راعي الحفل أو أن “المسؤول الكبير” يغادر بعد جلسة الافتتاح، وفي أفضل الأحوال بعد الجلسة الأولى! ولكن لم أشهد من قبل ذلك حضور شخص بمثل هذا المستوى لكامل جلسات المؤتمر، فلم يكن مني إلا الإشادة بمثل هذا الاهتمام، والذي إن دل على شيء فإنما يدل على الرغبة الصادقة والحقيقية من قبل المسؤولين في تركيا على إيجاد حل لمشكلة بدايات الأشهر الهجرية في العالم الإسلامي. وفي الحقيقة راودني سؤال فيما إن كان سيكمل الرئيس جلسات اليوم الثاني، وكانت الإجابة أنه حضر كامل جلسات اليوم التالي تقريبا، وبقي إلى أن اختتم المؤتمر هو بنفسه! إنه اهتمام يستحق منا كل التقدير على هذا الحرص الواضح على إنجاح أهداف المؤتمر، ويؤكد لنا أن الهدف من عقد المؤتمر ليس مجرد فرقعة أو عرض إعلامي، بل هو والله أعلم نية حقيقية صادقة.

وفي اليوم التالي بدأنا بعرض لفضيلة الدكتور أكرم كلش، مساعد رئيس الشؤون الدينية التركية، وتناول فضيلته مسألة الرؤية الحكمية (الحسابية) للهلال، إضافة لمسائل شرعية أخرى. والدكتور أكرم هذا من أوائل من تعرفت عليهم ممن اهتم بمسائل الفلك الشرعي، فلا أزلت أذكر مشاركاته في مؤتمرات الفلك الشرعي التي كنا ننظمها في الأردن، وتشرفنا بمشاركته أيضا في مؤتمر الإمارات الفلك الثاني عام 2010م، وقد كان ينظم للاجتماع التحضيري هذا بنفسه، ودارت بيننا اتصالات عديدة وقد كنت ألمس الرغبة الصادقة من نبرات صوته لإنجاح الاجتماع ومن بعده المؤتمر بمشيئة الله.

فضيلة الدكتور أكرم كلش، مساعد رئيس الشؤون الدينية التركية

وكما اختتم اليوم الأول بنقاش مطول بين المشاركين كان ختام يومه الثاني أيضا، إلا أن الإضافة كانت بكلمة من قبل رئيس الشؤون الدينية التركية، شكر فيها المشاركين، وأكد على رغبتهم الصادقة في أن يقدم المؤتمر القادم حلا حقيقيا قابلا للتطبيق على أرض الواقع بمشيئة الله، وتلا ذلك كلمات بعض الممثلين لمؤسساتهم بشكر الرئاسة على التفكير بهذا الموضوع الهام وعلى كرم ضيافتهم، فقد كان استقبال وتوديع المشاركين في المطار مميز بحق، إضافة لوجود ممثلين رفيعي المستوى باستقبال الضيوف في المطار، فقد كان في استقبالي مثلا نائب مفتي إسطنبول.

وبعد انتهاء الاجتماع، تشرف المشاركون بتناول وجبة العشاء على ظهر سفينة فخمة جابت مضيق البسفور، وقد كان لقاء شيقا، تبادل خلاله المشاركون أطراف الحديث سواء عن موضوع رؤية الهلال أو مواضيع أخرى مختلفة، فقد نجح المنظمون في دعوة عدد مميز من العلماء والخبراء، مما جعل الإلتقاء بهم ومحاورتهم  أمر له نكهة خاصة.


ومن اللفتات الجميلة في المؤتمر كانت تغطية قناة الجزيرة للاجتماع من خلال بث وقائعه مباشرة على قناة الجزيرة مباشر، وهذا يدل أيضا على اهتمام وحرص القناة بهذه المسائل الشرعية-العلمية التي تمس حياة المجتمع بأسره. فقد فاجأني زميلي الأخ صلاح الوائلي باتصال بين الافتتاح والجلسة الأولى يطلب مني التواصل مع أحد المنظمين لحل مشكلة فنية في الصوت، فأعطيت رقم مراسل قناة الجزيرة لأحد المنظمين.

بقي أن نذكر أنه وفي مساء اليوم الأول طلب مني الدكتور أكرم كلش ومن زميلي الدكتور هيمن متولي (أستاذ الفلك في جامعة القاهرة) ومن الأستاذ الدكتور محمد غريب وهو فلكي من مصر أن نجتمع سوية لوضع توصيات الاجتماع. وقد كان الدكتور غريب إنسانا ودودا ولطيفا، وكنت قد تعرفت عليه في زيارة سابقة للمعهد القومي للعلوم الفلكية والجيوفيزيقية (مرصد حلوان) في مصر، إلا أن لقاءنا هذا كان أكثر أخوية وتبادلا للأفكار والآراء.  وبالفعل اجتمعنا في ذلك المساء بحضور الدكتور أكرم وآخرين من الإخوة الأتراك، ووضعنا عددا من التوصيات، قد أهمها تشكيل لجنة علمية تضم خبراء في الفقه والفلك، تكون مهمتها دعوة الباحثين لتقديم مقترحاتهم حول تقويم هجري موحد للأمة الإسلامية، وتقديم مقترحاتهم لحل إشكالية مواقيت الصلاة في مناطق خطوط العرض العليا أيضا، حيث تنعدم مواقيت الصلاة في بعض أيام السنة في تلك المناطق. على أن تقوم اللجنة بدراسة المقترحات، ومن ثم ترفع للمؤتمر ما ترى أنه يصلح من الناحية الشرعية والعلمية لاعتماده من قبل المؤتمر. هذا وقد أكد المشاركون في الاجتماع على ضرورة أن  يضم المؤتمر المقبل ممثلين عن جهات اتخاذ القرار من مختلف دول العالم الإسلامي. وقد يكون موعد المؤتمر في نهاية عام 2103م بمشيئة الله. ومن الأمور التي تستحق الإشارة لها هي أنه بعد أن أكدنا على ضرورة وجود ممثلين عن جهات اتخاذ القرار في المؤتمر القادم، سارع رئيس الشؤون الدينية التركية بالاتصال بالمحكمة العليا في المملكة العربية السعودية، وهي الجهة التي تعلن بدايات الأشهر الهجرية في السعودية، وقد اتفق معهم على زيارة لمناقشة الموضوع ودعوتهم للمؤتمر.

في الختام لا يسعنا إلا أن نشكر رئاسة الشؤون الدينية التركية على إيلائها لموضوع تحديد بدايات الأشهر الهجرية في العالم الإسلامي ذلك الاهتمام، كما نشكر كل من ساهم في تنظيم هذا الاجتماع، فقد كان هناك العديد من الشباب النشيطين الذين لم يألوا جهدا في تقديم أية مساعدة للمشاركين، ومن هؤلاء الأخ فاتح الذي كان في تواصل مستمر معهم، إضافة لإخوة آخرين بذلوا كل جهدهم لإنجاح الاجتماع التحضيري. فجزاهم الله كل خير على مجهوداتهم، ونسأل الله عز وجل أن يجعل ذلك في ميزان حسناتهم. وآخر  دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

تعليقات